ابن ميمون

183

دلالة الحائرين

وكذلك المحاكون لهم من ملتنا الذين سلكوا طرقهم . أما وجوه استدلالاتهم ومقدماتهم في إثبات حدث العالم أو في إبطال أزليته ، فتختلف لكن الأمر العامّ لهم كلهم ، إثبات حدث العالم أولا ، وبحدوثه يصح أن الإله موجود . فلما تأملت هذه الطريقة نفرت نفسي منها نفورا عظيما جدا ، وحقّ لها ان تنفر ، لأن كل ما يزعم أنه برهان « 2043 » على حدث العالم تلحقه الشكوك وليس ذلك برهانا قطعيا إلا عند من لا يعلم الفرق بين البرهان وبين الجدل ، وبين المغالطة ، اما عند من يعلم هذه الصنائع فالامر بيّن واضح ، أن تلك الأدلّة كلها فيها شكوك واستعملت فيها مقدمات ، لم تتبرهن . وغاية قدرة المحقق عندي من المتشرعين أن يبطل أدلّة الفلاسفة على القدم . وما أجلّ هذا إذا قدر عليه ، وقد علم كل ناظر ذكى محقق لا يغالط نفسه أن هذه المسألة اعني قدم العالم أو حدوثه لا يوصل إليها ببرهان قطعي وانها موقف عقلي « 2044 » ، وسنتكلم في ذلك كثيرا : ويكفيك من هذه المسألة ان فلاسفة الأعصار مختلفون فيها منذ ثلاثة آلاف سنة إلى زماننا هذا في ما نجد من تآليفهم واخبارهم . فإذا كان الأمر في هذه المسألة هكذا ، فكيف / نتخذها مقدمة نبنى وجود الإله عليها ، فيكون اذن وجود الإله مشكوكا فيه ، إن كان العالم محدثا ، فثم إله ، وإن كان هو قديما فلا إله . إما هكذا ، أو ندّعى البرهان على حدث العالم ونضارب على ذلك بالسيف حتى ندّعى أنّا علمنا اللّه بالبرهان ، وهذا كله بعد عن الحقّ بل الوجه الصحيح عندي وهو الطريق البرهاني الّذي لا ريب فيه ، أن يثبت وجود الإله ووحدانيته ونفى الجسمانية بطرق الفلاسفة التي تلك الطرق مبنيّة على قدم العالم ، ليس لأنى أعتقد قدم العالم ، أو أسلم لهم ذلك ، بل لأن بتلك الطريق يصحّ البرهان ويجعل اليقين التام بهذه الثلاثة أشياء اعني بوجود الإله وبأنه واحد وأنه غير جسم من غير التفات إلى بتّ الحكم في العالم هل هو قديم أو محدث

--> ( 2043 ) انه برهان ت ، برهانا ج ( 2044 ) عقلي ج ، عقل ت